مع نفاد الاختيارات لكسب لقمة العيش أثناء حرب اليمن، لجأ الكثير من اليمنيين إلى بيع أعضائهم  .......

شبكة المدى/ واقع الحياة اليمنية:

 مع نفاد الاختيارات لكسب لقمة العيش أثناء حرب اليمن، أضطر يمنيين إلى بيع أعضائهم للبقاء على قيد الحياة، بعد حرب دامت ولازالت لأكثر من عامين وتسببت في كوارث إنسانية هناك وواقع مؤلم يعيشه اليمنيين.

ونشرت شبكة الجزيرة تقريرآ سلط الضوء على هذا الواقع الذي أوصل البعض من اليمنيين إلى قيامهم ببيع أعضاءهم البشرية من اجل العيش.

وأوضح التقرير أنّ 90% من الحالات أجريت لها جراحات في مصر؛ بعد إقناع ما أسمتهم بالسماسرة المصريين في اليمن المواطنين بالسفر إلى القاهرة لبيع أعضائهم وإيهامهم بمبالغ مالية ضخمة؛ لكنّ المبالغ التي يتقاضاها الضحايا لا تقارن بما يحصل عليه المنفذون في القاهرة.

ندوب عاطفية

تقول الشبكة، بحسب إنّ ندوب «عدنان علي» الأخيرة بسبب جراحة في الكلى تتلاشى؛ لكنّ آلامه العاطفية باقية.

«عدنان» عاطل عن العمل ومطلق، في أوائل الثلاثينيات من عمره، وجد نفسه في الآونة الأخيرة أمام اختيارات صعبة؛ إما الاشتراك في القتال مع مليشيا الحوثيين على الخطوط الأمامية في حرب اليمن، أو السعي إلى العمل في المملكة العربية السعودية المجاورة، أو بيع أعضائه.

في هدوء من على سريره بعد الجراحة التي أجراها في منطقة بني مطير اليمنية، جنوب غرب صنعاء، يقول «عدنان» لشبكة «الجزيرة»: «لا توجد فرص عمل، وزوجتي تركتني وذهبت إلى رجل آخر».

بعد أكثر من عامين من الحرب، تحوّل يمنيون من الطبقة العاملة إلى بيع سلع البقالة والقات المخدر لتحقيق أدنى متطلبات الحياة، أو بيع أعضائهم؛ واختار كثيرون ذلك للبقاء على قيد الحياة.

وفي حالة «عدنان»، قال للجزيرة إن سائق سيارة أجرة مصريًا يمنيًا يعمل سمسار أعضاء كان ينتظره خارج مكتب جوازات السفر، وطارده ثم استفسر منه عن حالته المالية وأقنعه ببيع كليته. ذهب «عدنان» إلى مكتب جوازات السفر للمضي في خطته بالسفر إلى المملكة السعودية، لكنه عندما أوشك على ذلك جعله السمسار يشاهد ندوب جراحة بعد بيع كليته، وأخبره أنه بعد فعله ذلك حصل على ما يكفي من المال وتمكّن من الزواج وشراء سيارة.

في القاهرة.. السوق الرسمية

نظّم الوسيط سفر «عدنان» إلى القاهرة لبيع كليته؛ بعدما اتصل بالوكيل المصري وأصدر تقريرًا طبيًا مزيفًا يشهد على أنه يعاني من مرض يحتاج إلى السفر إلى القاهرة لتلقي العلاج الطبي. ووافق علي على بيع كليته بمبلغ عشرة آلاف يورو لمسنٍّ كويتي.

وفي القاهرة، أُجبر «عدنان» على البقاء في شقة صغيرة متهالكة بالجيزة لمدة 25 يومًا، وتولت الشبكة المتورطة في الاتجار في الأعضاء نفقات إقامته؛ لكنه مُنع من الخروج.

حالة «عدنان» ليست فريدة من نوعها. وعلى الرغم من أنّ نطاق تجارة الأعضاء بين اليمنيين اليائسين غير واضح؛ قال ضحايا الاتجار الآخرون لـ«الجزيرة» إنّ «الشبكات تعمل بشكل مجهول في حانات ومقاهٍ غير واضحة في اليمن ومصر».

وقال عدنان إنّ الطبيب الذي أجرى له الجراحه لم يحذره من العواقب المحتملة، ولم تكن هناك رعاية بعدها. ويضطر المرضى إلى توقيع عقد ينص على أنه «ليس من مسؤوليتنا إذا طرأت أي مضاعفات بعد الجراحة»، مضيفًا أنه بعد الجراحة حصل على المال.

مأساة اليمنيين

وفقًا للأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 20 مليون يمني حاليًا إلى مساعدات إنسانية، في حين تقول تقديرات إنّ احتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي اليمني انخفض من 4.7 مليارات دولار في أواخر عام 2014 إلى أقل من مليار دولار في سبتمبر 2016. ورواتب الموظفين والمعلمين والعاملين في المرافق الصحية غير منتظمة منذ سبتمبر 2016؛ ما دفع أكثر من مليون موظف في الدولة وأسرهم إلى تركهم دون دخل منتظم.

وفي الشهر الماضي، نشر نشطاء على فيس بوك صورة لمعلمة يمنية يُزعم أنها تعرض كليتها إلى البيع، مع شرح: «هذا ما دفعتنا حكومتنا إلى أن نكون عليه، أنا أعرض كليتي للبيع لإنقاذ أولادي من الجوع، الراتب هو الحياة».

وقال «وهاج المقطري»، مؤسس مستشفى «سبل الحياة للرعاية الحرجة»، إنّ غالبية ضحايا الاتجار بالأعضاء في اليمن من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 28 عامًا و40، ولجأ عديد من اليمنيين إلى بيع أعضائهم؛ ويبدو أنّ الأمر يحدث على نطاق واسع لم يسبق له مثيل.

ووثقت المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر (غير حكومية ومقرها في صنعاء) 300 حالة من مبيعات الأعضاء في «مصر» منذ بدء الحرب في مارس 2015. وهذا لا يعكس تغييرًا عن السنوات الخمس السابقة، ويمكن أن تكون الأرقام الحقيقية أعلى من ذلك بكثير؛ لأنّ ثمة حالات لم يُبلغ عنها؛ بسبب تجريم هذه الممارسة قانونًا، إضافة إلى الموانع الدينية.

الأعضاء الأكثر تداولًا في مصر

وقال نبيل فاضل، مؤسس المنظمة، إنّ 90% من اليمنيين الذين باعوا أعضاءهم سافروا إلى مصر، وأكثر الأعضاء تداولًا وبيعًا الكلى وفصوص الكبد والقرنيات، ويختلف ثمنها وفقًا لكل عضو، مضيفًا أنه من المحتمل أن تكون هناك مزيد من الجراحات خارج اليمن.

وأضاف «وهاج المقطري» أنه حتى لو حدث ذلك داخل اليمن فالجراحة تتم بشكل خفي. وقال إنّ «المرضى لا يقتربون منّا مباشرة، إنهم يفعلون ذلك بمساعدة شبكات السماسرة»، موضحًا أنّ هناك جراحات قليلة تتم في مستشفيات كبرى برعاية طبية مناسبة؛ لذلك أغلبية هذه الجراحات في أماكن غير مرخصة أو مؤقتة، مع معدات أو موظفين غير كافين؛ فـ45% فقط من مرافق الرعاية الصحية في اليمن تعمل بكامل طاقتها.

وبموجب قانون زرع الأعضاء والأنسجة البشرية، الذي أقرّه البرلمان المصري في عام 2010، يجب معاقبة الأفراد الذين يبيعون الأعضاء. لكنّ دراسة أجرتها المجلة البريطانية لعلم الجريمة في عام 2016 وجدت أنه بدلًا من معالجة تجارة الأعضاء في السوق السوداء، دفع القانون إلى زيادة الممارسة غير القانونية للأمر.

وقالت «إلهام الدليمي»، طبيبة في مستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا بصنعاء، إنّ المستشفى الذي تعمل فيه يتبع سياسة صارمة في هذا الشأن؛ إذ يجب على الجهات المانحة المحتملة الحصول على إذن من السلطات القضائية قبل الشروع فيها.

وقال نبيل فاضل إنّه وثّق الحالات التي اشترت فيها المستشفيات المصرية أعضاء من اليمنيين بمبلغ خمسة آلاف دولار ثم باعتها إلى عملاء أثرياء من دول الخليج أو الغرب بمبالغ وصلت إلى مائة ألف دولار.

معاناة البائع

باع مزارع يدعى «حسين فاري مزغيب» كليته في أكتوبر 2014 بمبلغ خمسة آلاف دولار، وهو غير كافٍ لدعم أسرته المكونة من ثمانية أفراد لمدة ستة أشهر تقريبًا، ولم تدم فرحته طويلًا؛ إذ بدأت صحته في التدهور.

وقال حسين، وهو بائع لمخدر القات، لـ«الجزيرة»: «لا أستطيع حمل أغراض تزن أكثر من 20 كيلوجرامًا، وفي الشتاء الضرر يكون أكثر».

وعندما نفد المال بدأ العمل مع سماسرة الأعضاء، ويتقاضى ألف دولار عن كل حالة يستطيع إرسالها إلى القاهرة؛ لكنه توقف بعد أن اعتقلته السلطات اليمنية.

وختمت الجزيرة تقريرها بأنه مع استمرار الحرب في اليمن فالمستقبل قاتم لأبنائه. لكن، بالنسبة إلى عدنان علي، الذي أوشك على الزواج من امرأة ثانية وبدأ تنفيذ خططه بالعمل على سيارة أجرة، يرى أنّ هناك دلائل على مستقبل أكثر إشراقًا؛ إذ يقول «الترتيبات جارية لحفل الزفاف، وأعتزم شراء سيارة لتشغيلها أجرة».

 
Top