0

أعيش عذاب الإكتئاب.. والكابوس يلاحقني بين الحين والآخر خصوصاً حين أسمع صراخ ابنتيّ والقنابل تتساقط من حولها.. صادق "زوجي" أخبرتني الشرطة أنه سافر إلى لندن بصحبة طفلاتي، ثم سافر بالطائرة إلى السعودية، حينها شعرت بـ  …………


شبكة المدى/ قصايا ومجتمع - معاناة تعيشها وترويها جاكي مورغان: 
في مايو/ أيار عام 1986، اختُطفت بنات جاكي مورغان صالح الثلاث، والدهن (زوجها) وأخذن إلى اليمن. الآن ومع احتدام الحرب في ذلك البلد، ترغب جاكي بشدة في إعادة ابنتها الصغرى إلى بريطانيا.
أجمل ذكرى احتفظ بها لفتياتي الثلاث هي حين كن يلعبن معا في بيتنا اللطيف الدافئ.
لقد كن شقيات للغاية، يسرقن الحلوى من الثلاجة، ويصعدن إلى الطابق الأعلى حيث سريري ليتقاسمنها.
كانت ريحانة تبلغ من العمر خمس سنوات، وكانت ذكية وعنيدة وتعرف ماذا تريد.
أما نادية التي تصغرها بعام، فكانت جميلة ولطيفة وتفعل كل ما في وسعها للبقاء معي.
وصافية أصغرهن، كانت حينها تبلغ من العمر 18 شهرا، وكانت تمشي وتثرثر حولنا، وتأسر قلبي يوما بعد يوم.
أذكر أنها جلست يوما في الحديقة، تأكل قطعة صابون وتقول : "انظري يا أمي، إنها شيكولاتة".
ولدت الفتيات الثلاث الجميلات، في ظل ما كان في بداية الأمر علاقة سعيدة ومستقرة.
إذ التقيت بوالدهن صادق صالح، في أواخر البسعينيات من القرن الماضي، في صالة للرقص.
لقد كان ذلك وقت صعود نجم المغني مايكل جاكسون، ورواج سراويل الجينز الواسعة، والقلادات الضخمة.
وكان صادق من مدينة تعز اليمنية، لكنه كان يعيش في كارديف في بريطانيا مع والده.
وجمعنا حب كبير توجناه بإنجاب فتياتنا الثلاث، وبالزواج.

وبعد ذلك تدهورت الأمور، وأصبح يشرب الخمور، ويلعب القمار ولا يعمل.
لقد أصبح شديد السيطرة على الأطفال، إلى درجة أصبحن فيها مذعورات منه.
وبعد نحو ست سنوات من الزواج، فقدت القدرة على تحمل المزيد، وطلبت الطلاق.
وفي إحدى عطل نهاية الأسبوع، في مايو/ أيار عام 1986، انتهى العالم بالنسبة لي.
كنت أرقد في السرير بسبب الإنفلونزا، حين أخبرني بأنه سيأخذ الأطفال إلى منزل والده، في حي روث القريب منا، ليبيتوا هناك ليلة.
لكن حين لم يعدن صباح الأحد، كما كان مخططا، شعرت بالفزع.
اتصلت بالشرطة، ووجهوا لي الكثير من الأسئلة لمعرفة تفاصيل القصة.
ثم تعقبوا صادق، وأخبروني أنه سافر إلى لندن بصحبة الأطفال، ثم سافر بالطائرة إلى السعودية.
وحين علمت أنه غادر البلد برفقتهن، شعرت وكأني أموت من داخلي.
لقد فقدت طفلاتي، وحين فتشت المنزل، وعلى الرغم من بقاء بعض ملابسهن وألعابهن، إلا أن معظم الصور التي التقطتها لهن اختفت أيضا.
هو لم يأخذ فتياتي فقط، بل حاول أيضا أن يمحو كل ذكرى لهن من حياتي.
ما أعقب ذلك كان أشبه بكابوس مستمر.
وتتبعت الشرطة الدولية (الإنتربول) تحركات صادق، في الشرق الأوسط، وفي نهاية المطاف وصلت إلى اليمن، حيث فقدت كل أثر له.
عدت إلى المنزل، الذي يبعد 4000 ميل عن مكان فتياتي، وشعرت أن حياتي قد انتهت.
لقد تحولت من أم لثلاثة أطفال، إلى شخص لا يملك أي شيئ عدا فراغا هائلا.
لقد أمضيت وقتي في اجتماعات، سواء مع مسؤولين بوزارة الداخلية، أو عائلات أخرى تعرضت لحالات اختطاف.
وأمضى الوزير الأول السابق لإقليم ويلز، رودري مورغان، وقتا طويلا معي، يحاول مساعدتي.
فتياتي تحملن الجنسية البريطانية، ولديهن جوازات سفر بريطانية. وبالتأكيد يمكن لشخص ما مساعدتي!
وبمرور السنوات فقدت الكثير من المناسبات مع فتياتي، من سنوات دراسية جديدة، وأيام النشاطات المدرسية، ثم في يوم من الأيام استيقظت لأدرك أن بناتي الرائعات أصبحن شابات.
وعلى الرغم من ذلك، بطريقة ما لم أفقد الأمل أبدا في أنني سأراهن مرة أخرى.
وفي يوم ما في مطلع عام 2001، فوجئت بخطاب أمام باب منزلي مكتوب باللغة العربية. خفق قلبي، وتأكدت حينما ترجمته أنه من ابنتي الكبرى ريحانة.
ابنتي الجميلة لم تتذكرني فقط، وإنما تذكرت أيضا عنوان منزلها، وبعد أن هربت من والدها كتبت الخطاب إلي. واتصلنا ببعضنا البعض، وسافرت جوا إلى اليمن في مايو/ أيار من ذلك العام.
لكن الوضع حينها كان قد تغير تماما، فريحانة أصبحت تبلغ من العمر 21 عاما، ونادية 19 عاما، وشعرت برهبة لا يمكن تخيلها، حين كنت أنزل من سلم الطائرة لكي ألقاهن بالأحضان والدموع.
لقد أعددت نفسي لأرى كيف أصبح شكل بناتي.
إنهن مسلمات، وكانتا ترتديان النقاب الذي يغطي وجوهيهن، لكنهن بناتي، وحين خلعتا النقاب رأيت أنهما ما زالتا تشبهاني.
وعبر لغتهن الإنجليزية الركيكة، علمت أنهما تعيشان حياة غير جيدة.
اليمن كانت فقيرة للغاية، وكلاهما تزوجتا من رجلين أكبر منهما سنا بفارق كبير، وفي سن مبكرة جدا.
لكن بعض الأشياء لا تزال كما هي ولم تتغير.
ريحانة كانت لا تزال تمتلك شخصية قيادية عنيدة، وأخبرتني بأنها لم تنسني أبدا، ولم تتوقف عن البحث عني.
أما نادية فكانت لا تزال رقيقة للغاية، لكن من الواضح أنها تعاني من آثار صدمة تعرضها للاختطاف، والزواج في سن صغيرة.
كانت تبدو فتاة صغيرة، وكان من الصادم أن أراها على هذه الحال.
كما اتضح أن صافية ابنتي الصغرى، أُخبرت بأن امرأة أخرى هي أمها، وليس لديها فكرة عن الحقيقة، أو عن وجودي.
وفي يوم من الأيام، قدت السيارة إلى مدرستها حيث قابلتها، وأخبرتها بأني أمها، وقدمت لها شهادة ميلادها البريطانية.
لقد كان موقفا مؤثرا وعاطفيا، وانتهى بأن استلقت على الأرض وانفجرت بالبكاء.
وبعد ذلك، وكما تملي علينا الحياة الواقعية، عدت إلى بلدي بريطانيا، واستمرت حياتهن كما هي في اليمن.
ريحانة لديها ولدان، لكن في عام 2007 ماتت نادية، خلال ولادتها طفلها الرابع. المستشفى المحلي لم يكن فيه دم يكفي ما احتاجته حالة نادية، لإنقاذ حياتها.
لا أستطيع أن أصف إحساسي، بعدما علمت بوفاتها.
وفي خلال نفس العام توفي أبوهن وخاطفهن صادق أيضا، لكن بالطبع بحلول هذا الوقت كان الضرر قد تحقق بالفعل.
وبالعودة إلى يومنا هذا، فإن ابنتي الاثنتين المختطفتان لا تزالان في اليمن.
في الوقت الراهن الاتصالات مع ريحانة متقطعة.
لكنني أنا وابنتني الرابعة لوسي، التي أنجبتها في مرحلة لاحقة من حياتي وتبلغ من العمر الآن 30 عاما، نتصل بانتظام بابنتي صافية، التي تبلغ من العمر حاليا 34 عاما.
وتعيش صافية وابناؤها الأربعة، بالقرب من مدينة الحديدة، التي تُقصف من جانب الطائرات الحربية السعودية، التي تقاتل المتمردين، الذين يسيطرون على معظم مناطق اليمن.
الحرب مستعرة الآن منذ نحو ثلاث سنوات، وأدت إلى مقتل نحو 10 آلاف شخص، ودفعت ملايين آخرين إلى حافة المجاعة، كما أن حصيلة الجرحى جراء المعارك هائلة.
وصحة صافية ليست على ما يرام.
لقد أصيبت مؤخرا بمرض التيفويد، وأعلم أن ابنها الأصغر مريض للغاية.
اتصل بها قدر ما أستطيع عبر الفيديو، لكن في بعض الأحيان حين أكلمها، أسمعها تصرخ في أطفالها، وتطلب منهم الاختباء، لأنها تسمع أصوات القنابل المتساقطة.
وفي كل مرة اتصل بها تبكي وتبكي، لكي تكون معي.
إنها مواطنة بريطانية، أُخذت بطريقة غير قانونية من بلدها الذي ولدت فيه، واختطفت من أمها.
بعد كل ما مرت به، ألا تستحق حياة آمنة ومياها نظيفة وطعاما، ومرحاضا صحيا لأطفالها؟
هذا هو السبب الذي يجعلني أدعو الحكومة البريطانية لمساعدتي.
المواطنون البريطانيون بحاجة إلى إجلائهم، لكن في ضوء عدم أرجحية حدوث هذا، فإن عضو برلمان ويلز، نيل مكفوي، ساعد بإنشاء صفحة لجمع التبرعات، من أجل صافية وأطفالها، لكي يتمكنوا من شراء تذاكر رحلة الطيران، للخروج من اليمن.
بالنسبة لي، إذا فكرت كثيرا في الموقف لن أستطيع التحمل.
لقد سيطر علي الاكتئاب طيلة سنوات، والآن لا يزال الكابوس مستمرا، حين أسمع صراخ ابنتي والقنابل تتساقط من حولها.
أنا فقط أريدها أن تعود، لتكون معي في منزلها في كارديف، كما كان يجب أن تكون دائما.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية: "نحن نقدِّر أن الوضع الحالي محزن للغاية للسيدة مورغان (جاكي صالح)".
وأضاف: "لكن، كما تعلن نصائح وزارة الخارجية والكومنولث بشأن السفر بوضوح، منذ فبراير/ شباط عام 2015، فإن عمل السفارة البريطانية في صنعاء باليمن معلق مؤقتا، وجرى سحب الطاقم الدبلوماسي".
وتابع: "نحن مستمرون في النصح بعدم السفر إلى اليمن، وغير قادرون على المساعدة بأية طريقة على مغادرة مواطنين بريطانيين، أو مزدوجي الجنسية، من اليمن".

إرسال تعليق

 
Top