0

شبكة المدى// اليمن.. صراع النفوذ:
لم يعد اليمن يُقرأ من الداخل وحده، ولا يمكن فهم ما يجري فيه باعتباره امتدادًا لحربٍ محلية تتصارع فيها قوى يمنية على السلطة.

فكلما اتسعت زاوية النظر، ظهرت صورة أخرى؛ صورةٌ تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى الممرات البحرية، ومصالح الطاقة، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وصولًا إلى حسابات القوى الكبرى.

وفي قلب هذه الصورة يقف الساحل اليمني، من المخا إلى باب المندب، بوصفه أحد أكثر المواقع حساسية في معادلة النفوذ الإقليمي والدولي.

من بيعة الساحل إلى صفقة البحر
ما يبدو في ظاهره ترتيباتٍ إقليمية على الساحل، يمكن قراءته ضمن مسار أوسع انتقلت فيه الجغرافيا اليمنية من مجرد ساحة للصراع إلى ورقة في حسابات النفوذ.
وهنا تبرز الإمارات وإيران في مشهد تتقاطع فيه المصالح، وتتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع الأهداف الدولية، بينما يبقى اليمن هو الجغرافيا التي تُدفع كلفة هذه الترتيبات فوق أرضها وبحرها.
لكن الساحل وحده لا يفسر الصورة، فالجهة الأخرى من المعادلة تقود إلى السعودية.

السعودية تعيد ترتيب أوراقها
السعودية، التي أنفقت لعقود مبالغ هائلة على بناء قدراتها العسكرية، وكانت في قلب المنظومة الأمنية الأميركية، لم تعد تتحرك بالأسلوب ذاته.

فالرياض توسع اليوم دوائر تحالفاتها، وتقترب بصورة أكبر من تركيا وباكستان، وتبحث عن مساحة أوسع للمناورة والقرار المستقل.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة الإقليمية المتغيرة.
فكلما اتسعت خيارات السعودية خارج المظلة التقليدية، ازدادت حساسية واشنطن تجاه اتجاهات القرار السعودي، خصوصًا عندما يبدأ الحليف التاريخي في بناء شبكة علاقات تمنحه بدائل استراتيجية.. وهنا يصبح اليمن أكثر أهمية.

هرمز وباب المندب.. بحر المعادلة
السعودية لا تواجه جغرافيا واحدة.
في الشرق يقع مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم.
وفي الجنوب الغربي يقع باب المندب، البوابة التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ومنها تمر حركة تجارية تصل الشرق بالغرب عبر قناة السويس.. وبين المضيقين تتشكل معادلة شديدة الحساسية:
ضغطان من الشرق الجنوب.
ولهذا فإن السيطرة على النفوذ البحري لا تعني التأثير في اليمن أو السعودية فقط، بل تمتد آثارها إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية وحركة الملاحة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا تحديدًا يصبح الساحل اليمني أكبر من مجرد ساحل.
ويصبح المخا أكبر من مجرد ميناء.
ويصبح باب المندب ورقة استراتيجية في ميزان القوى.

الحوثيون.. ورقة يمنية في حسابات إقليمية
في الجانب الآخر من المشهد، ظهر الحوثيون كقوة تملك تأثيرًا مباشرًا على واحدة من أكثر المناطق حساسية في حركة الملاحة الدولية.. كما برزت خلال مراحل مختلفة اتصالات وتصريحات مرتبطة بالتواصل بين الحوثيين وواشنطن، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التفاعلات بين القوى اليمنية والقوى الدولية.. وهنا لا ينبغي القفز إلى استنتاجات لا تثبتها الأدلة.

فلا يكفي الحديث عن اتصالات أو مواقف متبادلة للقول بوجود صفقة معلنة بين واشنطن والحوثيين بشأن باب المندب.
لكن السؤال السياسي يبقى مشروعًا:

هل أصبح النفوذ الذي تملكه القوى اليمنية على الأرض والبحر جزءًا من لعبة ضغط إقليمية أكبر؟
وهل يمكن أن تتحول السيطرة الداخلية إلى ورقة تستخدمها قوى خارجية في إعادة ترتيب موازين المنطقة؟
هذه هي النقطة التي تتجاوز عندها المسألة حدود الحرب اليمنية التقليدية.

انتصارٌ .. لغير اليمن! 
فحين تتحول القوة المحلية إلى أداة في حسابات إقليمية، يصبح القرار اليمني واقعًا بين مستويين:
سلطة تفرض حضورها في الداخل..
ونفوذ خارجي يبحث عن توظيف هذا الحضور في معادلاته الخاصة.
وهنا يصبح الساحل والمخا وباب المندب جزءًا من معركة أكبر على من يملك مفاتيح الحركة بين البحر والبر، ومن يستطيع تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة تفاوضية.

اليمن.. معركة تتجاوز الحدود
لهذا، فإن قراءة المشهد من زاوية الحرب الداخلية وحدها قد تكون قاصرة.. ففي الشرق هرمز، وفي الجنوب الغربي باب المندب.
وفي قلب المعادلة السعودية التي تعيد رسم تحالفاتها، وإيران التي تبحث عن توسيع أوراقها، والإمارات التي رسخت حضورها على امتداد أجزاء مهمة من الساحل، وتركيا وباكستان اللتان تقتربان من الرياض، وواشنطن التي تراقب إعادة تشكيل شبكة التحالفات في المنطقة.
وبين كل ذلك، يبقى اليمن في قلب الجغرافيا التي تسمح بتقاطع هذه المصالح.. إنها لم تعد مجرد معركة على مدينة أو ميناء أو شريط ساحلي.
إنها معركة على الممرات.
والممرات تعني التجارة.
والتجارة تعني الطاقة.
والطاقة تعني النفوذ.
والنفوذ يعني القرار.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكبر اليوم ليس: من يسيطر على الساحل؟
بل:
من الساحل اليمني إلى النفوذ الإقليمي؟
فالمعركة ليست فقط على باب المندب، ولا على المخا، ولا حتى على اليمن وحده..

إنها معركة أوسع على من يملك مفاتيح المنطقة عندما تُغلق الأبواب وتُفتح الممرات.

المحرر السياسي- شبكة المدى
……………………………………………………………………
للمشاركات والنشر والتواصل، من خلال: https://wa.me/967777098281

إرسال تعليق

 
Top